آخر الأخبار

دير تاريخي يقترن بزمن المسيحية الاولى .. دير مار متى رابض على جبل ويحتضن اللائذين به من النكبات

40482537_585820828487108_3453073750872817664_n

تقرير – سامر الياس سعيد .. العراق – السياحة العربية

لطالما حفل تاريخ دير مار متى بالكثير من المحطات التاريخية المهمة لاسيما كان الموقع الذي احتضن الكثيرين ممن لاذوا به من صنوف ازمنة المحنة والقسوة التي عاشوها خصوصا وان مؤسسيه كانوا ايضا ممن غادروا مدنهم ليبنوا لهم هذا الدير الرابض على قمة جبل خشية من اضطهادات تطالهم في المدن التي ترعرعوا فيها ..يحتفل مسيحيو الموصل بعيد القديس مار متى في الثامن عشر من ايلول (سبتمبر) من كل عام، حيث يحرصون ضمن تقاليد سنوية على زيارة الدير الذي يحمل اسم هذا القديس والذي يقع على مسافة 35 كم شمالي شرقي مدينة الموصل.

ويعتبر الدير من الأماكن الأثارية التاريخية في ربوع العراق ومن المزارات الدينية المقدّسة العائدة للسريان الأرثوذكس. حيث يحظى الدير بشهرة واسعة لحرص السياح على زيارته، فضلا عن حرص العراقيين ومن كل محافظاته على زيارة الدير الذي يعود تاريخ تأسيسه للقرن الرابع الميلادي وتعيين الناسك مار متى الراهب كأول رئيس عليه.

وانضوى إليه بضعة آلاف من الرهبان والمتوحّدين من كورة نينوى وغيرها من بلاد العراق وفارس حتى سمي الجبل الذي يضم الدير بجبل الفاف كونه احتضن الالاف الرهبان ممن أقاموا مغاور فيه، ليتنسكوا ويبتعدوا عن العالم لكن الكوارث والأحداث الدامية لم تبتعد عن هذا المكان الذي زخر تاريخه بالكثير من الغزوات والكوارث التي ألمّت به فأثرت على تصميمه الأول والآثار الفنية، فضلا عن اندثار النقوش والزخارف.

لكن مع ذلك، فالدير حافظ على معظم تلك البقايا من الأجزاء الجميلة فكان منها المذبح وبيت القديسين (وهما جزء من الكنيسة) وقلاية القديس مار متى و الصهاريج بالإضافة إلى بعض الكهوف والصوامع. اما سيرة القديس مار متى شفيع الدير فتشير إلى ولادته في ديار بكرفي تركيا في الربع الأول من القرن الرابع، حيث ترهّب في صباه واختار طريق التنسك، ولما أثار يوليانس الجاحد قيصر رومية اضطهاده للكنيسة المسيحية عام 361م، غادر مار متى مسقط رأسه إلى المشرق، يرافقه أكثر من عشرين راهباً أشهرهم مار زكاي، مار إبراهيم ومار دانيال و أنفرد مار متى أولاً في صومعة صخرية في جبل مقلوب لا تزال مائلة إلى اليوم. ثم ترأس الدير الذي شيده بعدئذ كما مر.

وإشتهر بتقواه وقداسته، وممارسة أعمال التقشف.كما حفلت سيرة القديس بالعديد من المعجزات التي صنعها ببركة روحية توفي في أواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس وهو شيخ طاعن في السن.

بعد مرور مائة عام تقريباً من تأسيس الدير، أصيب بحريق هائل عام 480، وإثر ذلك قضي عليه، وتأثرت معالم الدير كثيرا بالحدث الذي أصابه ففضل الرهبان تركه حتى نهاية القرن الخامس، حيث عاد إليه بعض الرهبان وإستأنفوا الحياة النسكية ورمموا الدير المحترق حتى برز أسمه من جديد في عام ،544 فواصل مسيرته التاريخية بصورة منتظمة سيما في العهود العربية التي عقبت العهد الساساني. وفي عام 1171 هجر بسبب اعتداءات الدخلاء المجاورين.

وظل مهجوراً حتى عام 1187 ثم أستؤنفت فيه النشاطات الكنسية في شتى المجالات. ولما جاء ياقوت الحموي الجغرافي العربي الشهير لزيارة الموصل في مطلع القرن الثالث عشر حيث كانت قد اشتهرت بمدارسها وعلمائها وعمرانها على عهد بدر الدين لؤلؤ. زار الدير وقال فيه (دير مار متى بشرقي الموصل على جبل شامخ يقال له جبل متى. من أستشرفه نظر إلى رستاق نينوى والمرج.وهو حسن البناء وأكثر بيوته منقورة في الصخر. وفيه نحو مائة راهب. لا يأكلون الطعام إلا جميعاً في بيت الشتاء أو بيت الصيف وهما منقوران في صخرة. كل بيت منهما يسع جميع الرهبان، وفي كل بيت عشرون مائدة منقورة من الصخر).

كما شهد الدير عام 1260 معاناة كبيرة من رهبان الدير من غارات المغول والتتر. ومر بظروف قاسية جداً، وصبر على اعتداءات الأعداء والعصابات طويلاً. وفي العقد الأخير من المئة الرابعة عشرة ظهر تيمورلنك. فتذبذبت أحوال الدير في عهده وإنتهى به الأمر إلى أن أمسى مأوى لبعض المجرمين الذين إستوطنوه مدة من الزمن.

ونتيجة لذلك تشرّد الرهبان وظل الدير مهجوراً منسياً مدة تنيف على المائة وخمسين سنة. ثم أخذ يلمع ذكره مرة أخرى بشكل خافت ضئيل في نهاية القرن السادس عشر وأوائل السابع عشر،ثم يتوهج بعد عام 1660 أي في العهد العثماني الثاني. فتتسلسل أخباره من ثمّ حتى يومنا هذا ويسير سيراً طبيعياً خلال الفترة الواقعة ما بين عام 1833-1846 إذ تولاه الخراب على إثر غارة محمد باشا (ميراكور) وخلا من السكان إثنتي عشرة سنة. وفي عام 1970- 1973 تجدد الدير تجدداً متيناً بكامل أجزائه وفي غضون السنوات السابقة شهد الدير تطويرا في اروقته حتى تم تعبيد الطرق المؤدية اليه مع تزايد الافواج السياحية التي تقصده لكنه تعرض لفترة عصيبة حينما اقترب عناصر تنظيم داعش من موقعه ولم تعد تفصلهم عنه سوى امتار قليلة لكنهم توقفوا فيما بقي مهجورا لبضعة ايام حتى عاد الرهبان اليه من جديد ليستانفوا حياتهم فيه وليعاود اليوم احتضانه للعوائل التي تقصده تبركا وتضرعا من اجل احلال السلام في عموم العالم .

40377613_678563715854446_7985243535056044032_n

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by www.worldforhost.net